الخميس، 21 فبراير 2013

سلطان الزغول : سنشارك في إنجاح «عجلون مدينة الثقافة الأردنية 2013»


عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء

انتخب حديثا الشاعر والناقد سلطان الزغول رئيسا لفرع رابطة الكتاب الأردنيين في عجلون، مدينة الثقافة الأردنية لعام 2013، وهو الفرع الذي أسس حديثا. «الدستور»، هاتفت الزغول وحاورته حول مشاريع الفرع المستقبلية، وحول استعدادت عجلون لحمل راية الثقافة الأردنية العام المقبل، فكانت هذه الاجابات.

* فزت مؤخرا برئاسة فرع رابطة الكتاب في عجلون. ماذا عن هذا الفوز، خاصة أن الفرع حديث الإنشاء؟

- لقد عملنا في في النصف الثاني من العام 2012، أنا وزملائي أعضاء الرابطة في عجلون على تأسيس فرع لها في هذه المدينة العريقة، التي تضمّ طاقات ثقافية خلاقة تحتاج إلى التواصل مع جسم مهم في الحياة الثقافية الأردنية هو رابطة الكتاب، لتكتسب منه وترفده في الوقت نفسه. وحين وصلنا بالتعاون مع أعضاء الهيئة الإدارية في الرابطة الأم إلى لحظة انتخاب هيئة تدير شؤون الفرع تم توافق أعضاء الرابطة في عجلون على ذلك بهدوء ومحبة، فلم تكن انتخابات بقدر ما كانت جلسة حميمية حمّلني فيها الأصدقاء مسؤولية إدارة فرع الرابطة، ولا شكّ أنني بهذه المحبة التي أحاطني بها الزملاء قد حملت عبء تأسيس قاعدة متينة للرابطة في عجلون، تجعلها شريكا أساسيا في التنمية الثقافية للمدينة المقبلة على استحقاق ثقافي كبير على مستوى الوطن، وهو إنجاح مشروع عجلون مدينة للثقافة الأردنية عام 2013. خاصة أن الرابطة التي تحمل مشروعا تنويريا كبيرا ومتينا قادرة على المساهمة بفعالية في الارتقاء بعجلون مدينة ومحافظة، والمساهمة في بعث تاريخها وتراثها العريق.

* ما هي مشاريع الفرع في المستقبل؟ وما مدى انفتاحه على المشهد الثقافي والمجتمع المحلي في عجلون؟

- يمتلك فرع الرابطة في عجلون رؤية طموحة للمساهمة في صياغة ثقافة تنويرية ترتقي بالعمل الثقافي من إقامة النشاطات الثقافية إلى بناء لبنات أساسية في جدار الثقافة الأصيلة المستندة إلى الوعي والمعرفة، وصولا إلى نفي الرداءة من المشهد. وهذا لا يعني الانقطاع عن إقامة النشاطات الثقافية من محاضرات وأمسيات أدبية، فهي رافد مهم من روافد الوعي والتنوير، لكنني وزملائي في فرع عجلون نسعى إلى المساهمة في التنمية الثقافية عبر مشاريع نوعية تتميز بأنها أصيلة وجادة وتستند إلى إرث عميق، لكنها منفتحة على آفاق الحاضر واعية به. ونحن الآن بصدد إعداد خطة طموحة للعمل الثقافي النوعي في العام 2013، ولا شك أنها بحاجة للدعم ماديا ومعنويا، سواء من الرابطة الأم، أو من الجهات الرسمية والمحلية. أما في الأشهر المتبقية من هذا العام فنحن بصدد الإعداد لورشة عمل بالتعاون مع مديرية التراث في وزارة الثقافة تتضمن محاضرات وحواريات يساهم فيها المعنيون بجمع التراث العجلوني من محافظة عجلون وخارجها، وذلك استعدادا لمشروع جمع المنتج التراثي العجلوني في العام 2013، وهو مشروع طموح ستتعاون على القيام به أكثر من جهة في عجلون، لكننا سنحاول بهذه الورشة أن نمهد أرضية العمل للمعنيين بالحفاظ على التراث. وأوجه شكري العميق للدكتور حكمت النوايسة مدير مديرية التراث في الوزارة على تعاونه في إقامة هذه الورشة التي تساهم في الإعداد لمشروع تراثي كبير أرجو أن ينجح. ناهيك عن بعض النشاطات الأخرى التي نتمنى أن يتمكن الفرع من القيام بها عبر دعم الرابطة الأم والجهات الأخرى المعنية بالعمل الثقافي.

* ما هي الاستعدادات للاحتفاء بعجلون مدينة للثقافة الأردنية في العام المقبل؟ وما هو دور الفرع في ذلك؟

- أتمنى أن يكون فرع الرابطة في عجلون شريكا اساسيا في إنجاح هذا المشروع الثقافي الكبير الذي يصل إلى عجلون بعد تجارب متعددة في مدن أردنية أخرى، ما يعطي للمدينة بعدا مهما في الاستفادة من الأخطاء السابقة من جهة، والبناء على النجاحات التي تحققت من جهة أخرى. ولدينا إيمان راسخ بقدرة عجلون على أن تكون مدينة الثقافة المتوهجة، بتعاون أبنائها وبنيتها التحتية المختلفة؛ فهي مسرح كبير مفتوح يتضمن مشهدا جماليا خلابا، ولوحة طبيعية تتسع للجميع. وقد بدأ الاستعداد مبكرا لإنجاح هذا المشروع الذي انتظرته عجلون طويلا، سواء من الجهة الرسمية (وزارة الثقافة)، أو من الجهات الأهلية والمعنيين بالعمل الثقافي. أما فرع الرابطة في عجلون فسوف يعدّ خطة عمل نوعية –كما أشرت سابقا- للمساهمة في صياغة مشهد ثقافي متميز ومختلف في مدينة الثقافة الأردنية عام 2013.

* كيف تقرأ الواقع الثقافي الحالي لمدينة عجلون؟

- إنه جزء من الواقع الثقافي العام في الأردن، فيه أصالة وإبداع وإضاءات هنا وهناك تشكّل أشعة تنير الدرب، وفيه رتوش ورداءة تطفو على السطح كأي زبد. وإذا أردنا في عجلون أن نتعاون على الارتقاء بهذا الواقع، علينا أن نساهم في نماء الثقافة الحقيقية، ما يدفع بأشعّتها إلى إنارة بقع الظلمة وصولا إلى تنقية المش?
التاريخ : 07-10-2012

عبق من تاريخ عجلون - سلطان الزغول

ظلت عجلون حضنا دافئا للمجد والشموخ عبر التاريخ، وفي هذه المقالة أودّ أن أقدم خلاصة جولة قمت بها عبر كتب التاريخ المتعلقة بهذه الأم الجبلية المحلقة أبدا في ذرى السموّ، وقد أدهشتني بعض المعلومات التي عرفتتها لأول مرة، ويسعدني التعرف على أي إضافة توضّح الصورة أو تجلوها أو تعمّقها.
أولا: حول السكان والتعايش الاجتماعي
يؤكد عليان الجالودي ومحمد عدنان البخيت في كتابهما "عجلون في عصر التنظيمات العثمانية" أن عدد القرى في قضاء عجلون أواخر العهد العثماني قارب 126 قرية، وقد رافق هذه الزيادة في عدد القرى كثافة في الاستيطان، حيث ارتفع عدد سكان القضاء من 20ألفا أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر إلى 62 ألفا عام 1914. ويقارن الباحثان هذا العدد بعدد سكان أقضية لواء حوران الأخرى جميعها باستثناء عجلون فيجدان أنه لم يتجاوز 12 ألفا في حين أن عدد سكان أقضية لواء الكرك: السلط، والطفيلة، ومعان والكرك بلغ 74 ألفا. ويرجع الباحثان ازدياد عدد السكان في قضاء عجلون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى خصوبة الأرض والطبيعة المنيعة التي شكلت ملاذا للفلاحين المستقرين ضد اعتداءات البدو.
أما المستشرق (أوليفانت) في كتاب "أرض جلعاد" فيقول: ضمت بلدة عجلون عام 1879 أكبر تجمع سكان إلى الشرق من نهر الأردن وقدر عدد سكانها بخمسمائة نسمة، ثلاثة أرباعهم من المسيحيين والربع الأخير مسلمون. ويؤكد الرحالة الذين مروا بقضاء عجلون على العلاقة الودية بين المسلمين والمسيحيين، حتى أنه لا يمكن التمييز بين أصحاب الديانتين لأن مظهرهم وملبسهم وعاداتهم متشابهة ، ويشير أوليفانت في كتابه "أرض جلعاد" -وهو كتاب مهم بحاجة إلى أن يترجم إلى اللغة العربية- يشير إلى أن المسلمين يحترمون الأقلية المسيحية ويحافظون على حقوقها، ولم تترك الصراعات الطائفية في المناطق المجاورة أي صدى في القضاء، ويرجع الباحث نعمان قساطلي في دراسة له بعنوان "سوريا" أسباب ذلك إلى بعد المنطقة عن الدسائس الاستعمارية وإلى اندماج المسيحيين اجتماعياً واقتصادياً مع المسلمين، كما كان للمسيحيين حقوقهم في الإدارة وإقامة شعائرهم الدينية وبناء كنائسهم. وقد أنشئت في عنجرة عام 1888م مدرسة الروم الأرثوذكس، كما أنشئت مدرسة للأرثوذكس في عجلون في العام نفسه. أما اللاتين فأنشؤوا في عجلون مدرستهم عام 1889، وبعدها بعام واحد أنشأ اللاتين مدرسة أخرى في عنجرة.
ثانياً: عجلون هي الأردن
تفيد "السالنامات العثمانية" المتوفرة في مركز الوثائق والمخطوطات التابع للجامعة الأردنية أن عجلون كان لواء يتبع ولاية الشام، ويضم جميع أجزاء شرقي الأردن بمفهومه السياسي الحالي: عجلون، أربد وتوابعها، البلقاء، الكرك. واستمرت هذه الحال حتى عام (1861م) حيث طرأ تغيّر إداري مهم فأدمج عجلون مع لواء حوران، وأصبح هذا اللواء الجديد يضمّ جبل دروز حوران، والقنيطرة، وعجلون مع توابع إربد، والبلقاء، والكرك. لكن لواء عجلون فقد أهميته كلواء مستقل بذاته عام 1864م وتحول إلى قضاء تابع للواء حوران، أما البلقاء والكرك فاستمرتا تتبعان إدارياً إلى قضاء عجلون حتى عام 1866م ولم يتشكل لواء البلقاء الذي ضمّ نابلس والكرك والطفيلة والسلط مع الأغوار إلى عام 1868. وقد استمرت تبعية قضاء عجلون الإدارية للواء حوران طوال الفترة ما بين سنتي1864-1918. ويؤكد الدكتور يوسف غوانمة أستاذ التاريخ في جامعة اليرموك أن عجلون كانت تمتد من وادي الزرقاء جنوباً إلى وادي اليرموك شمالاً، ومن وادي الأردن غرباً إلى منطقة البربة (خلف جرش) شرقاً. وقد ازدادت أهمية عجلون في العصر الأيوبي، فعهد صلاح الدين إلى قائده عز الدين أسامة بناء قلعتها في قمة جبل عوف عام 1184م في مكان استراتيجي، وذلك لمنع توسع الفرنجة من الغرب. ويضيف غوانمة: وفِّق صلاح الدين في اختيار موقع يسيطر على جبال عجلون وعلى المنطقة الممتدة من طبريا إلى البحر الميت. والقلعة يمكن مشاهدتها من جبال نابلس والقدس.
كما يشير غوانمة إلى أن وجود مدينة عجلون في منطقة خصبة وكثافة سكانية عالية، إضافة لوقوعها على شبكة مواصلات تربطها بالأغوار وفلسطين والبلقاء وإربد ودمشق أعطاها مزايا اقتصادية، فعرفت بنشاطها الاقتصادي والتجاري وتشعب الأسواق وكثرتها، بل كان لها علاقات تجارية مع المناطق المجاورة، بل ومع الدول الأوروبية، ويدل على ذلك وجود (دار الطعم) في عجلون، وهي وكالة للتجار الأجانب.
ثالثاً: بصمات التاريخ في ربوع عجلون
بنى الصالح نجم الدين أيوب سنة 645ه (1247م) مسجد عجلون الحالي وهو أحد مسجدين بنيا في عجلون ذلك العهد، لكن المسجد الثاني لم يبق له من أثر. وقد اهتم الظاهر بيبرس بمدينة عجلون فبنى منارة للمسجد سنة 1263م. ويقع مسجد عجلون في منتصف المدينة، وهو من أقدم المساجد الباقية في الأردن. ويوجد في قلب بلدة كفرنجة مسجد جامع قديم البناء يقوم على أسس أيوبية ومملوكية. أما قرب مسجد عجلون الأيوبي فيقع خانقاه سيد بدر، ومن المعروف أن الأيوبيين ومن بعدهم المماليك قد اهتموا ببيوت المتصوفة، ومنها هذا الخانقاه الواقع في قلب عجلون التي اشتهر فيها عدد من المتصوفة الذين أقاموا في سيد بدر، ومنهم محمد بن علي بن جعفر الشمس العجلوني المعروف بالبلالي، الذي ولد بعجلون ورحل إلى دمشق والقاهرة حيث تولى مشيخة سعيد السعداء هناك، وقد صنف البلالي عدداً من الكتب قبل أن يتوفى في القاهرة سنة 820هـ (1417م) ومن رجالات الصوفية العجلونيين الزاهد العابد عمر بن حاتم العجلوني الذي زار الخليل وحلب، ثم جاور في مكة المكرمة قبل أن يخرج إلى المدينة، ولكنه مرض في الطريق وتوفي ببدر سنة (845هـ). ويدل إقامة هذه الخانقاه في عجلون على أهميتها في عصر الأيوبيين والمماليك، فهي كما يؤكد الدكتور يوسف غوانمة من المدن الهامة التي تمتلك شهرة تجارية واقتصادية، إضافة إلى أهميتها الإستراتيجية التي دفعت صلاح الدين إلى بناء القلعة فيها، إضافة إلى ظهور عدد كبير من العماء والفقهاء والشعراء فيها، والذين كانوا على اتصال بعلماء دمشق وبيت المقدس. ويذكر غوانمة في كتابه "الحياة العلمية والثقافية في الأردن في العصر الإسلامي" عدداً معتبراً من علماء وشعراء عجلون الذين يقدم تراجم لهم ومنهم عمر بن محمد بن عمر المعري العجلوني الفقيه الذي ولد بعجلون وتوفي بمعرة النعمان، والشاعر الأديب محمود بن طي العجلوني الذي كان شاعر رقيقاً في عهد المماليك، وفضل بن عيسى بن قنديل العجلوني الحنبلي العالم الجليل. ومن علماء عجلون الذين يذكر غوانمة منهم ثلاثة وثمانين عالماً وأديباً رحلوا إلى دمشق والقاهرة والقدس واشتهروا فيها عزالدين بن عبد السلام بن داود العجلوني، وبرهان الدين إبراهيم الباعوني، وعائشة بنت يوسف بن أحمد الباعونية أما الدكتور قاسم المومني وفخري كتاني فيذكران في كتابهما "شعراء عاشوا في قلعة عجلون" حوالي اثني عشر شاعراً في القرنين السابع والثامن الهجريين منهم يحيى بن خضير، ومحمد بن سليمان، وسعد الدين بن المبارز، ما يؤكد على الحياة الثقافية العامرة والفنية في عجلون، وازدهارها ذلك العصر.
ومن الخرائب التي تحوي آثاراً دارسة تحتاج إلى التنقيب والتأكد من معالمها وتاريخها:
* مسجد عصيم الأثري الذي لم يبق منه إلا المحراب والباب الغربي وبعض القناطر التي تشير إلى ملامح أموية.
* مقبرة تاريخية شرقي بلدة راسون.
* آثار يونانية وإسلامية جنوب بلدة راجب.
* آثار يونانية ورومانية وبقايا مساجد أثرية قديمة، ربما كانت أيوبية، جنوب عنجرة في مناطق: سرابيس، والحنيش، والحزار، وخربة السوق والفاخرة.
* آثار إسلامية في المنطقة الشمالية والغربية من جبال عجلون: لستب وحلاوة والهاشمية ودير الصمادية وصخرة والطيارة وباعون.
ومن الجدير ذكره أن بعض المصادر قد ذكرت أن النبي إلياس قد ولد في منطقة لستب الواقعة شمال غرب مدينة عجلون، وفي تلك المناطق تقع مار إلياس الشاهدة بقايا آثارها على وجود تاريخي لا يُعرف كنهه على وجه الدقة.
رابعاً: مؤرخون ورحالة ذكروا عجلون
يقول الدكتور يوسف غوانمة في كتابه "التاريخ السياسي لشرق الأردن": كانت عجلون في عهد دولة المماليك الأولى من أهم الدروب الاقتصادية بل هي الممر الوحيد الذي تسلكه قوافل التجارة بين العراق ودمشق والقاهرة. ولعل ذلك راجع لتعذر دخول البدو إليها ومهاجمة القوافل التجارية. ويقول الدكتور الغوانمة في الكتاب نفسه إن عجلون كانت المصدر الثالث من مصادر أرزاق العساكر الإسلامية بعد دمشق ولبنان في عهد الأيوبيين والمماليك.
وقد ذكرت بعض المصادر أن القافلة التي اشترت النبي يوسف قد مرّت بعجلون التي كانت تشتهر قديماً بنبات البيلسان، وهو المادة الرئيسية التي استخدمها المصريون القدماء في تحنيط موتاهم، حتى أن اسم النبات بالانجليزية هو "BALM OF GILEAD " أي بلسم جلعاد.
ذكر المستشرق لانكستر هاردينغ أن عجلون تشتهر بالحديد الذي كان الأيوبيون يستخرجونه من مغارة " وردة" قرب راجب، ويصنعون منه السيوف في داخل القلعة بعد صهره واستبعاد الرواسب منه في فرن الصهر قرب القلعة، في الجانب الغربي منها. أما الرحالة سيلاه ميرل فيصف عام 1877 عجلون بأنها ذات واد جميل واسع كثير الينابيع، موكداً أن منظر الوادي عند قرية عين جنة يجعلة من أجمل الأودية في سورية كلها، ويضيف: توجد ثلاث قرى مزدهرة هي عجلون وعنجرة وكفرنجة ، وتكثر الخرائب الأثرية في هذا الوادي ، ما يدل على أن هذه الجهة كانت حافلة بالقرى أو المدن في العصور القديمة ، وتكثر الطواحين في الوادي. أما "جراي هل" فيقول عن زيارته الأردن عام 1888م: اتجهنا من جرش نحو جبل عجلون فمررنا بأرض أجمل من أي أرض مررنا بها من قبل.
وقد جاء في وصف عجلون وقلعتها عند الشيخ شمس الدين الدمشقي في كتاب
"نخبة الدهر في عجائب البر والبحر": "وفيها حصن حسن حصين، وفيه مياه جارية وفواكه كثيرة وأرزاق غزيرة، وهو مشرف يُرى من مسيرة أربعة أيام". وعجلون ذات طبيعة ساحرة ما زالت على مدى العصور شاهدة على تميّز المكان، تكسوها الغابات، ويكثر فيها شجر البلوط كما تكثر فيها الينابيع. ولا يمكن الإحاطة بأقوال الرحالة والمؤرخين الذين مروا بعجلون في هذه العجالة ومنهم ابن بطوطة وغيره من الرحالة المسلمين والأجانب.

شاعر أردني يرى أن غياب الإبداع المحلي عن المشهد العربي متعلق بعوامل التسويق سلطان الزغول: النقد في الأردن يمتلك على الرغم من سلبياته طاقات خلاقة


سليم النجار/جريدة الغد الأردنية
عمان- قال الناقد والشاعر سلطان الزغول إن الكتاب يشكون عادة من غياب المتابعة النقدية لإبداعاتهم، مضيفاً أنَّ الكثير من الكتاب يشيرون إلى سيطرة المحاباة والعلاقات الشخصية، وسياسة تبادل المنافع على المشهد النقدي.
وفي حوار مع "الغد"، يؤكد الزغول أنَّ النقد في الأردن، على الرغم من شوائبه وسلبياته، يمتلكُ طاقات خلاقة وقادرة على الإضافة المتميزة للنقد العربي. ويتابع "لا أتحدَّثُ عن المتابعات الصحفية وشبه الصحفية، والتي يسيطر عليها عادة قراءة النص قراءة خارجية، ولكن أقصد النقد الذي يغوص في العالم الداخلي للنص الإبداعي، ويتماهي مع تجلياته الفنية".
 ورأى الزغول أنَّ على المبدع الصبر على متلقي نصه، مذكِّراً أنَّ بعض الإبداعات الأدبية التي تمتلك بعداً إنسانياً، ترجمت إلى أغلب لغات العالم الحية.
ويُنوِّه الزغول إلى أنَّ القصيدة في الأردن جزءٌ من حركة الشعر في الوطن العربي، كما تأثَّرت القصيدة الشعرية في الأردن، بالحركة الشعرية العالمية. ويقول "السياقات كما أعتقد متشابهة، والمرجعيات هي نفسها تقريباً. ولا أنفي هنا التمايزات والخصوصية المنبثقة عن عوامل محلية أصيلة، لكنني أشير إلى اللغة الواحدة التي تبنى القصيدة من خلالها".
ويرى الزغول أنَّ القصيدة الدرامية المدورة موسيقيا عند محمد بنيس في المغرب، مثلما تجدها عند حكمت النوايسة أو أي شاعر أردني آخر، وكذلك هي حال قصيدة النثر المعبأة بالصور والبلاغة الطاغية التي تتمثل بمدرسة أدونيس، أو تلك التي تنحاز لبساطة التفاصيل اليومية.
ويعيد المشكلة الزغول إلى قدرة المتلقي على متابعة مرجعيات القصيدة، وما تحمله من فكر، وما تكتنزه من صور ودلالات عميقة عبر لغة مكثفة فائقة. ويوضح الزغول باختصار "المشكلة ليست في غابة الشعر، فهي ما تزالُ عامرة بالطزاجة والمفاجآت، وما زالت غنية ومدهشة".
ويؤكد أنَّ غياب الإبداع الأردني عن المشهد العربي متعلق بعوامل تسويق المبدع الذي يضطلع بها الإعلام عادة، فالإبداع الأردني متميِّزٌ في مختلف صنوفه، وتبقى مهمة توضيح وجلاء صورته المشرقة خارج الأردن من مهمات الإعلام الوطني الذي يمكنه أن يساهم بفعالية بذلك. 
ويُشير الزغول إلى أنَّ هناك تنوعا إبداعيا غنيا تضج به الساحة الأردنية التي لا يقل غناها الأدبي والفني عن أي ساحة عربية أخرى، بل إنها كثيراً ما تتفوق على غيرها، لكن ما ينقصها هو وجود مؤسسة وطنية تعنى بتسويق المبدع الأردني على أسس منهجية مدروسة، ولعل إنشاء هكذا مؤسسة من المطالب الملحة الآن.
ويوضح "عندما كنت أستعد لكتابة أطروحتي لنيل درجة الماجستير في الأدب والنقد، كنت محتاراً بين إعداد دراسة سردية، أو تناول ظاهرة شعرية". ويضيف "عملت أخيراً بنصيحة الدكتور خليل الشيخ الذي اقترح عليّ البحث في صورة الأب في الشعر العربي الحديث، بما يعنيه ذلك من تواصل مستمر مع القصيدة العربية، وتتبع بنائها الفكري والفني". 
ويقول إنَّ الشاعر محمود درويش هو الأكثر عناية واهتماماً بتمثيل الأب في الشعر العربي، فهو يحضر في شعره الأول، ابتداء من ديوانه "أوراق الزيتون 1964"، ثم يبرز تباعاً، حتى يتوهج ويغطي كثيرا من قصائده من تسعينيات القرن الماضي.
 ويضيف "يدأب درويش على التعبير عن معاناة الإنسان الفلسطيني في تحولاته المختلفة، ولا تخرج تمثيلات الأب عنده عن هذا النهج الشعري الذي جعل منه شاعر القضية الأول". ويشير الزغول إلى أنَّ الأب عند درويش، الفلاح المتشبث بأرضه، واللاجئ المشرد يحلم بالعودة إلى طنه، أو الثائر على الظلم في سبيل العودة. ويرى الزغول أنه عندما انحسرت أحلام الثورة، بنى درويش عالماً شعرياً نظر فيه إلى التمثيلات نفسها، لكن في مرآة فنية جديدة أكثر تماسكاً ورقياً، تمتد فيها صورة الأب لتحتضن الأب القديم كنعان، جنباً إلى جنب مع أبي محمود الذي بدأ يكتب من خلاله سيرة الإنسان الفلسطيني المتمسك بحقه في أرض فلسطين، رغم تكالب الدنيا على إنكار هذا الحق. ويخلص إلى القول "لقد كتبت قصيدة محمود درويش سيرة الأب الفلسطيني في ارتباطاته بالزمان والمكان، وقدمت صورة واضحة عن تمثيلات الأب في الشعر الفلسطيني الفريد في منطلقاته ووسائله وروحه، واتصاله بالفردوس الفلسطيني المفقود".

الأربعاء، 29 أغسطس 2012

مركزية المرأة في قصيدة "الذئب" للبحتري /// سلطان الزغول



 مركزية المرأة في قصيدة "الذئب" للبحتري

سلطان الزغول
يمكن أن نقسم قصيدة "الذئب" للبحتري، ومطلعها:
    سلامٌ عليكم لا وفاءٌ ولا عَهدُ!     أَمَا لكُمُ مِن هَجر أحبابكم بُدُّ
إلى لوحات ثلاث: لوحة المرأة التي يبدأ بها الشاعر، وتظهر في الأبيات (1-6). ولوحة الفخر التي تتجلى في الجزء الثاني الأكثر طولا، ويبلغ عدد أبياته ضعف عدد أبيات الجزء الأول؛ الأبيات (7-12). ولوحة الذئب التي تميّز هذا النصّ وتعطيه خصوصيته، ويمكن رصدها في الأبيات (19-35). يلي ذلك ستة أبيات لعلها تمثل خلاصة التجربة الفنية في هذه القصيدة، وهي الأبيات (36-41). ورغم قصر اللوحة الأولى إلا أنها تمتلك تأثيرا كاسحا؛ فموقف المرأة من الشاعر من جهة، ومشاعره نحوها من جهة أخرى هي ما يقوده عبر مسارب النص الأخرى.
أول ملمح يمكن التأكيد عليه في قراءة هذه القصيدة هو تعالقها مع المتن الشعري العربي؛ فعبر التناصات الغنية التي تزخر بها أبيات البحتري يبرز انحيازه للنصّ الجاهز، للنموذج المنجز سابقا، مقابل انحياز معاصره أبي تمام لطاقة اللغة المتجددة. وهذا ما دفع بعض النقاد من معاصري الشاعرين ولاحقيهما إلى عقد الموازنات والمقارنات بين شاعر يمضي على سنن العرب هو البحتري، وآخر يخرج عليها هو أبو تمام. وهي موازنة كانت ترجِّح –على الأغلب- كفّة البحتري المقتدي على أبي تمام المبتدع.
فإننا لنكاد نلمح نهج شعراء النقائض، خاصة الفرزدق عبر تفاخره، في قول البحتري:
    فقل لبنـي الضحـاك مهلا! فإنّـني     أنا الأفعوان الصلُّ والضَيْغم الوَرْدُ
    بنــي واصلٍ مهلا! فإنّ ابن أختكم     له عزمـاتٌ هَزْلُ آرائهــا جِدُّ
    متى هِِجْتموه لا تَهيجوا سوى الردى     وإنْ كـان خِرقا ما يُحلُّ له عَقْدُ
ثم نرى الفرزدق بكامل تدفقه في البيت الثاني والعشرين:
    وأطلسَ مِلْءِ العَيْن يحمل زَوْرَهُ     وأضْلاعَهُ من جانبيهِ شَوى نَهْدُ
بل في مشهد لقاء الذئب كلّه. وهو مشهدٌ ينهلُ فيه البحتري من لغة الفرزدق وصياغته وأفكاره، على الرغم من أنّ الفرزدق انتهى إلى مصاحبة الذئب، حيث تأكّد له عبر تقاربهما أنّ الذئب كائن لا يقلّ عنه حزنا وألما وحاجة إلى دفء الصديق، بينما سار البحتري إلى قتل من أكدت له التجربة أنه غريمٌ عدوّ لا يعرف الرحمة، وأن قسوة العالم لا تسمح باستمرارهما معا في هذه الحياة، فإما أن يقتلَ الذئبُ الشاعرَ ويأكلَه، أو ينتهي هذا الكائن المفترس إلى مصيره المحتوم، فيقوم الشاعر بتناول شيء من لحمه غير المستساغ، في سبيل تأكيد انتصاره من جهة، والتعبير عن أنّ الإنسان لا يقلّ ذئبية عن الحيوانات المفترسة من جهة أخرى.
ومن الشعراء الذين نلمح أطيافهم تمرّ سريعا عبر هذه القصيدة النابغة الذبياني، حيث نلاحظ توازيا مع بيته المشهور:
    كِليني لِهمّ يا أميمةَ ناصِبٍ     وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ
وذلك في أسلوب صياغة البيت الرابع عشر:
    ذريني وإياهم فحسبي صريمتي     إذا الحرب لم يُقدَح لِمُخْمِدِها زَنْدُ
على الرغم من اعتراف النابغة بضعفه أمام الآخر وهو يخاطب المرأة، مقابل تأكيد البحتري لقوته وشجاعته التي قد تؤثر في امرأة هجرته، وتدفعها إلى الندم على فراقه.
ليست هذه القراءة معنية بإحصاء تناصّات البحتري على أي حال، لكنها هدفت منذ البداية إلى التأكيد على أننا أمام نصّ يتشكّل على وقع أصوات سابقة، تظلّ أصداؤها تتردّد بقوة وفاعلية، وتبرز انحياز البحتري للمتن الشعري العربي بصيغته التقليدية القارّة. وليس آخر هذه الأصوات زهير وحكمته الخالدة، أو مقارعات الصعاليك الليلية، لكن أبرزها بصمات طرفة بن العبد التي تطبع خاتمة نصّ البحتري، سواء عبر المستوى الصوتي باستخدام قافية الدال، أو عبر الموقف من الحياة، والشجاعة في مواجهة الموت. فإذا ما قرأنا قول البحتري:
    ذريني من ضَرْبِ القِداح على السُّرى،      فَعَزْميَ لا يَثْنيــهِ نَحْسٌ ولا سَعْدُ
    سأحملُ نفســـــي عند كلّ مُلمّة      على مِثلِ حدّ السّيف أخلَصَهُ الهِندُ
    فإن عشت مَحمـودا فمِثلي بَغَى الغِنَى     لِيَكسِبَ مـــالا، أو يُنثَّ له حمدُ
    وإن متُّ لـم أظفَر فليس على امرئٍ      غدا طالبا إلا تَقَصِّيـــهِ والجَهْدُ 
استعادت أذهاننا فورا قول طرفة الخالد:
    ألا أيُّ هذا اللائمي أحضرَ الوغى     وأن أشهدَ اللذات هل أنت مُخلدي
    فإن كنتَ لا تسطيـعُ دفعَ منيّتي      فدعني أبــادرها بما ملكت يدي
كما استعادت معاني مشابهة عبر أبيات أخرى في المعلقة.
ربما كان البحتري ينطلق في هذه القصيدة من نقطة مركزية، هي هجر المحبوبة، ما يدفعه إلى أن يحاول جهده في القصيدة كلها أن يثبت خطأ قرارها بترك فارس مغوار ذي مكانة متميزة في القبيلة، ومعرفة بالصحراء وأسرارها، بل إنه صديق للحيوانات المفترسة التي يتجنّبها الناس عادة. وهو القادر على أن يقارع أشدّ الخطوب حلكة، ويخرج منها منتصرا، يؤكد ذلك انتصاره على الذئب بعد معركة شرسة خاضها بشجاعة وإقدام دون تردد. ورغم تفاخره الذي يملأ أطراف القصيدة تظلّ مسحة من الحزن والكآبة تَبرز في كثير من مفاصل النصّ، مظهرة حجم خسارته. ثم تظهر بوضوح في الخاتمة التي يغلّّفها ألم وخسارة لم يحلْ دونها الانتصار على الذئب، وهو انتصار كان حريّا به أن يملأ النفس بالنشوة والإحساس بالتفوق وتذوق طعم الانتصار.
تبدأ القصيدة بلوحة المرأة، وهي لوحة تُسْلمنا منذ الكلمة الأولى إلى الإحساس بمرارة الوداع:
    سلامٌ عليكم لا وفاءٌ ولا عَهدُ!     أَمَا لكُمُ مِن هَجر أحبــابكم بُدُّ
    أأحبابَنـا قد أنجز البينُ وَعْدَهُ     وشيكا، ولم يُنْجَزْ لنا منكمُ وَعْدُ
فتحية المحبوبة تكاد تكون تصريحا بالهجر، عوضا عن أن تكون تحية ابتداء، خاصة وهو يُتبع التحية بنفي الوفاء والالتزام بالعُهود عنها. لكنه سرعان ما يقطع خطاب الهجر والوداع ليستبدله بالتضرّع المقرون بالعتاب والأسى في الشطر الثاني من البيت نفسه. ثم يؤكد أساه وعتابه وحزنه في البيت الثاني الذي يبدأه مستخدما أداة نداء القريب، فعلى الرغم من البَيْن الذي قطع ما بينهما إلا أنّه يخاطبها بتأسّ وتودّد مستخدما لفظ (أحباب)، وهو منادى يتصل بالضمير (نا) الذي يدلّ على التصاق هؤلاء الأحباب بالمتكلم. هذا التأسّي والحزن والعتاب يبرزه ويوضّحه ما يلي صيغة النداء من ألفاظ تؤكد انقطاع الوصل دون تحقيق أي اتّصال حقيقي؛ فالبَيْن قد تمّ وأنجز بسرعة دون أن تفي المرأة بوعد واحد من وعودها، ما يشي بأنها  تتحمّل مسؤولية الفراق.
بعد ذلك يلتفت الشاعر إلى خطاب الأطلال عبر الإلحاح والتأكيد على استخدام صيغة نداء القريب، التي تظهر عمق تأثير بَيْن المحبوبة، ما يدفعه إلى التمسك بقربها، ولو كان ذلك عبر صيغ بناء التراكيب الفنية:
    أأطلالَ دارِ العــامريّـة باللِّوى      سَقَتْ رَبْعَكِ الأنواءُ مـا فَعَلَتْ هِنْدُ؟
    أدار اللِّوى بين الصَّريمةِ والحِمى     أما للهوى إلا رَسيسَ الجَوَى قَصْدُ؟   
يدعو الشاعر للأطلال بأن تربو بماء الأنواء، وذلك خلال سؤاله إياها مستنكرا ما فعلته محبوبته من صرم وقطع. ويحيلنا نداء أطلال دار العامرية، وهي أطلال دار محبوبته التي أقدمت على فعل ما لا يستطيع تصديق حدوثه من انقطاع وهجر، يحيلنا إلى أجواء الحب العذري السامي، وإلى ليلى العامرية، ما يعطي إيحاء بعمق هذا الحب الذي مرّ به الشاعر. ثم يخاطب المكان بصيغة النداء نفسها، قبل أن يحدّده بدقة، في محاولة للقبض عليه عبر اللغة، وامتلاكه من خلال الكلمات، سلاحِه الوحيد في مواجهة الفراق والقطع الذي أقدمت عليه المحبوبة. وما يلبث أن يتساءل بالحرقة نفسها التي ظهرت في الأبيات السابقة: أما للهوى من قصد إلا هذه الحرقة الباقية؟ ألا يمكن أن يهوى من يهوى فيتحقق له الفرح والوصال؟ لماذا ينتهي العاشق دائما إلى هذا الألم؟. ومن ما يلفت في هذا البيت أن تتحدّد دار الحبيبة المفتقدة "بين الصَّريمةِ والحِمى"؛ بين مكان اشتق اسمه من الفعل (صرم)، بمعنى قطع بقوة وعنف، ومكان يحميه أصحابه لما فيه من خير، فهي حبيبة ممتنعة ممنوعة أولا وأخيرا، لا أمل يرجى من تحقيق الوصال معها، ما يدفع إلى أن يختم الشاعر لوحته بالاستسلام للحزن الذي يقود إلى الرقة في صياغة الكلمات:
    بنفسيَ مَنْ عذَّبْتُ نفســـي بِحُبِّهِ     وإن لم يكنْ منه وِصالٌ ولا وُدُّ
    حبيبٌ من الأحبـاب شَطَّتْ بِهِ النَّوَى     وأيُّ حبيبٍ ما أتى دونهُ البُعْدُ!
إذا كانت اللوحة تبدأ بالتصريح القاسي: لا وفاء لهذه المحبوبة ولا عهد، فإنها تنتهي بافتدائها بالنفس التي تعذّبت بحبّها، دون أن تحصل منها على أي نوع من أنواع الوصال. وهذا يدفع الشاعر إلى أن يلبس رداء الحكمة مؤكدا أنه ليس في الحب قرب دائم، فهو يتساءل معزيا نفسه: هل من حبيبين لم يحل البعد بينهما؟ وبذلك يتطهّر من حرقة الحب وآلامه، في سبيل المضيّ في هذه الرحلة الفنية عبر القصيدة إلى نهايتها. وهي رحلة تتخذ من المحبوبة منطلقا، وتتكئ على فراقها لتبني عالما جماليا شامخا.
تبدأ لوحة الفخر بالبيت السابع، دون أن تنقطع عن لوحة الذئب التي تتلوها في سبيل تأكيد الصفات التي اتخذها الشاعر لنفسه، وهي لوحة تشرع للحبيبة بابا واسعا على عالم مَن أحبّها وفارقته، ما يعطي الشاعر تعويضا عن خسارته، عبر تأكيده لها أنها هي التي خسرت فارسا لا يعوّض، ورجلا عزّ نظيره في هذه الدنيا: ظريف
    إذا جُزتَ صحـــراءَ الغُوَير مغرِّبا      وجازَتْكَ بطحاءُ السواجير يا سعدُ
    فقل لبنـــي الضحـاك مهلا فإنني     أنا الأفعوان الصِّلُّ والضَّيغَمُ الوَرْدُ
    بنـــي واصل مهلا فإنّ ابنَ أختكُم     لهُ عَزَمَاتٌ هزْلُ آرائهــــا جِدُّ
    متى هِجْتُموهُ لا تهيجوا سوى الرّدى     وإنْ كــانَ خِرْقا ما يُحلُّ له عَقْدُ
يفتخر الشاعر على بني الضحاك مستخدما ألفاظا صحراوية قاسية؛ فهو "الأفعوان الصِّلُّ والضَّيغَمُ الوَرْدُ": وبذلك يصف نفسه بالثعبان الداهية، والأسد الشجاع، كما أنه يتقصّد ذكر أماكن الصحراء وتحديدها بدقة تؤكد خبرته ومعرفته بتلك الصحراء وقسوتها، وذلك كلّه ليس ببعيد عن موقفه المتأزم من المحبوبة التي يريد أن يقول لها إنها قد أضاعت فرصة التقرب من فارس مهيب، له عزمٌ هزلُه جدّ، وإذا ما استفزّه مستفزّ فقد استفزّ الردى نفسه، رغم ظرفه وسماحته وكرمه. وكأنما يشير عبر ذكر الظرف والسماحة إلى صفات تحبّذ النساء توفّرها فيمن تحبّ، ناهيك عن صفاته الأخرى التي تجعل منه رجلا مثاليا لا يدانيه أحد في القوة أو النجدة أو السماحة أو المكانة. 
نحن إذن أمام فارس فذّ، وهو محبّب إلى النفس أيضا. ويتابع وصف الذات الخارقة قائلا:
    مهيبا كنصل السيف لو قُذفتْ به     ذرى أجأ ظلّت وأعلامُـــهُ وَهْدُ
    يودُّ رجال أننـي كنتُ بعض مَن     طوتهُ المنايــا لا أروحُ ولا أغدو
    ولولا احتمـالـي ثِقْلَ كلّ مُلِمَّة     تسوءُ الأعادي لم يودُّوا الذي ودّوا
إنه مهيب يشبه نصل السيف في حدّته، وهو قاس شديد لو قُذف به جبل (أجأ) لسُوّي بالأرض. أما الرجال فيحسدونه ويتمنون لو كان قد قُتل أو مات، وذلك لاحتماله ثقل الملمّات، ومواجهته الأعداء، ما يجعله مقدّما عنهم لتميّزه.  
ويكاد ما وراء الخطاب يتكشّف عبر قوله:
    ذريني وإيـاهم فحسبي صريـمتي     إذا الحرب لم يُقْدَح لِمُخْمِدِها زّنْدُ
    ولي صاحبٌ عضْبُ المضاربِ صارمٌ     طويلُ النجــادِ ما يُفَلُّ لهُ حدُّ
فبعد أن استعرض صفات الفارس المتميّز بين أقرانه في القبيلة، عاد يخاطب الحبيبة التي اعتقد أنه قد تطهّر من مشاعره نحوها في خاتمة لوحة الغزل، ومضى يؤكد لها عبر لوحة الفخر كل ما من شأنه أن يدفعها إلى الندم على فراقه. لكنّ حبّها الذي دفع بهذا البناء الفنيّ إلى الاكتمال، سواء عبر لوحة الغزل الممتلئة شجى وجوى وتأسيا، أو لوحة الفخر المتشبّعة بصفات البطولة الخارقة، وهي صفات ستتأكّد وتترسّخ خلال لوحة الذئب التي يشمخ فيها هذا الفارس، منتصرا على الطبيعة المتوحشة، بعد أن تفوّق على نظرائه من الفرسان. أقول: لكن حبّها ليس رداء يمكن خلعه، أو موقفا عابرا يمكن التخلّص من وطأته عبر نفث عبرات الحب أو الفخر، والتطهّر منها كأن لم تكن. إنه حبّ راسخ يدفع بالحبيبة إلى الظهور بكامل هيبتها خلال انطلاق الشاعر وحيدا، مكتفيا بما حدث له من (صريمة) على يد المحبوبة، قبل أن يقطع تميّزه على أقرانه أي وسيلة تعويض عن الفقد عبر الصداقة الإنسانية، فلم يعد له من صاحب مخلص إلا سيفه القاطع، وهذا ما سيجعله يمضي إلى التعمق في الصحراء ومواجهة وحوشها الكاسرة، بعد أن انقطعت حبال تواصله الإنسانية، مع المرأة أولا، ثم مع الأصدقاء الذين صاروا يودّون موته بعدما رأوا فيه من سمات التميز والتفوّق.
نحن إذن أمام خيبة شاعر يحسّ بالتوحّد والقلق، وهو يعرف قدراته التي تؤهّله للاندماج الاجتماعي، ولعب دور حاسم في الحياة. وانطلاقا من هذه المشاعر خاض غمار رحلته الصحراوية التي واجه فيها وحش الصحراء. ولا بدّ من التأكيد أننا لسنا هنا بصدد إثبات حقيقة هذه الرحلة وما جرى فيها من أحداث درامية، كل ما يعنينا هو الرحلة الفنية التي قام بها البحتري عبر اللغة، والتي تشكّل بديلا خالدا عن خسارات الشاعر الإنسانية والاجتماعية.
بعد أن قدّم الشاعر ما قدّم من صورة ناصعة لفروسيته عبر لوحة الفخر، بدأ يتصوّر أن حبيبته قد تندّمت على فراقه، فما وجدت حيلة إلا البكاء تشكو عبره هذا الفراق بدموع غزيرة، تتساقط بحزن دفعه إلى أن يهدئ من روعها، طالبا منها ألا تحزن لبين رجل ذي همة وطموح إلى العلياء، ليس له ندٌّ أو نظير بين الرجال. ولعله يخاطب بهذا نفسه التي عزّ عليها مفارقة المحبوبة التي هجرته، فلم يجد ما يعزّيها به إلا ما ظل الشاعر العربي يعزّي به نفسه ورفيقته منذ أن بدأت رحلة القصيدة الجاهلية: لا تحزني للفراق، فأنا بصدد الرحيل في سبيل تحقيق المجد والرفعة:
    وبــاكيةٍ تشكو الفِرَاقَ بأدمُعٍ     تُبادِرُها سَحَّا، كما انتشر العِقْدُ
    رَشادَكِ لا يحْزُنْكِ بَيْنُ ابن هِمَّةٍ     يتوقُ إلى العليـاء ليس لهُ ندُّ
لكنّ الشاعر لا يترك هذه المعادلة التقليدية في القصيدة العربية دون إضافة، إن الخسارة التي دفعته إلى التأمّل والتجربة وخوض غمار الرحلة القاسية تقوده إلى الكشف:
    فَمَنْ كان حرّا فهو للعزمِ والسُّرى     وللّيل من أفعالهِ والكَرَى عبدُ
إذا كان الفارس حُرّا، فإن حرّيته في الحقيقة ليست سوى وهم؛ فمع مرور الأيام والليالي وهو على قيد مغامرته التي تجلب له المكانة والسموّ، يتحوّل إلى عبد للعزم والسُّرى، ولليل والسهر. فهو يحمل عبئا ثقيلا لا يمكنه التخلّص منه، لا يمكنه أن يرضى بما يرضى به عامة الناس، لأن الناس لن يقبلوا منه إلا الخارق والعظيم.
وسرعان ما يمضي الشاعر وقد استراح لهذه النتيجة إلى اللوحة الثالثة، التي يصف فيها ليلة من لياليه الصحراوية، قضاها حتى آخرها ساهرا، يترقّبُه ذئب هاجع، أصابه شيء من النعاس وهو ينتظر أن يغفو غريمه دون جدوى، وقد ظلّ ينظر إليه بعين ابن ليل خبير بكائنات الصحراء، ينتظر لحظة غفلة من صيده حتى ينقضّ عليه:
    وليلٍ كأنّ الصُّبْحَ في أخرَياتِـهِ     حُشـاشَةُ نَصْلٍ ضمَّ إفْرنده غِمْدُ
    تسرْبَلْتُهُ والذئبُ وَسْنانُ هاجعٌ      بعينِ ابن ليلٍ ما لهُ بالكرى عَهْدُ
    أثيرُ القطا الكُدْرِيَّ عن جَثَماتِهِ      وتألَفُنــي فيهِ الثّعـالبُ والرُّبْدُ
يكتبُ الشاعر هذه اللوحة بريشة فنان يرسم مشهدا صامتا سرعان ما تدبّ فيه الحركة، فبعد الترقّب توثّب فانقضاض فتلاحم فسقوط وموت. وهو يبدأ بذكر الليل الذي أمسى سربالا يغطي جسده، ما يؤكّد توحّده واندغامه الكلّي بليل الصحراء الذي لم يعد فيه ما يخيف، بل إنه ليدعو إلى التأمّل والتفكّر بتشكّله البطيء، ثم انجلائه عن الصبح رويدا رويدا. ولولا ترقّب عدوّ ينتظر لحظة غفلة لينقضّ ما كانت صورة تشكّل الصبح آخر الليل تستدعي ذكر أداة من أدوات القتل هي السيف، على الرغم من أنّ هذا السيف، رفيق الشاعر الوحيد في رحلته الليلية، ما زال يهجع في حضن غمده، لكنه على أهبة الاستعداد في أي لحظة لأن يظهر لمعانه، كما أنّ الصبح يتشكّل منذ خيوط الفجر قبل أن ينشقّ ويتكشّف. وبعد أن يُعرّج على الطرف المقابل، شريكه في بناء هذا المشهد الدرامي، واصفا كمونه ونعاسه، مشيرا إلى اندغامه هو الآخر في الليل الذي صار له أبا حاميا، ينفذُ إلى تفاصيل المشهد الذي يحيط به وبغريمه في هذا الترقّب المثير: فإذا ما صدرت عنه نأمَة أو حركة خفيفة أثيرت طيورُ القطا السوداء عن مراقدها، أما الثعالب وكائنات الصحراء المفترسة فقد أمست تتعايش معه، بعد أن صار وجوده مألوفا في موطنها القاسي. ومن ما يلفت في مكونات هذا المشهد الليلي أنّ كائناته يسمُها لون الليل القاتم، فالقطا كُدريٌّ أسود مغبرّ، والكائنات الأخرى رُبدٌ مسودّة، أما الذئب الذي سيواجهه فهو أطلس؛ أغبرٌ مسودّ. ولعلّ في ذلك ما يشير إلى أحاسيس الشاعر التي تسمُها قتامة البين والفراق عمّن أحبّ.
ثم يترك مكونات المشهد المحيط ليسلّط ضوءا ساطعا على الذئب، غريمه الأغبر القاسي:
    وأَطْلَسَ مِلْءَ العيـن يحملُ زَوْرَه     وأضلاعَـهُ من جانبيهِ شَوَى نَهْدُ
    لهُ ذنبٌ مِثلُ الرِّشــاءِ يجــرُّهُ     ومَتْنٌ كمتـن القوس أعوَجُ مُنْأدُّ
    طواه الطَّوَى حتى استمرَّ مرِيـرُهُ     فما فيهِ إلا العَظْمُ والروح والجِلْدُ
    يقضْقِض عُصْلا في أسِرَّتِها الرَّدى     كقضقَضَةِ المقْرُور أَرْعَدَهُ البرْدُ
نحن أمام لوحة ذئبٍ يرسمها فنان محترف، تنفذ إلى التفاصيل الجسدية والنفسية الدقيقة، لكنها تستبدل الخطوط والألوان بالكلمات والإيقاعات. إنّه ذئب أغبر يميل إلى السواد، يملأ العين بضخامته، ويرتفع صدره وأضلاعه على أطراف بارزة قوية. وله ذنب طويل يجرّه خلفه يشبه حبل الدلو، أما ظهره فمقوَّس معوجّ، فيه انحناءة القوس وقوّتها. وهذا الذئب قد استحكمت عزيمته وقويت لشدة الجوع الذي لم يترك فيه ما يعيق حركته، فما بقي إلا عظم صلب عريض، وجلد أغبر قاس، وروح تشدّها رغبة البقاء إلى التقدّم. وهو قد بدأ معركة بقائه بقضقضة أنيابه الصلبة المعوجّة، التي يشبه تقضقضها اصطكاك أسنان المرتعش من شدة البرد، وشتان ما بين حركة أسنان المقرور المرتعد التي تشير إلى ضعف، وطقطقة أنياب ذئب جائع مصمّم على القتل في سبيل الحياة، يذكّر صوتها بصوت تكسّر العظام، فهي أنياب يقيم الرّدى في خطوطها المخيفة.
بعد أن ركّز عدسة تصويره الماهرة على الطرف الأول، الطرف الذي ترسّخت في الأذهان صورة مرعبة لقوته وشدة فتكه، مشيرا إلى حاله البائسة نفسيا وجسديا، والتي تظهر في ذكر جوعه، وارتباكه الذي تؤشّر عليه قضقضة الأنياب، على الرغم من أنّها تحمل للطرف الآخر الرعب وترقّب الموت المحتّم، أقول: بعد أن فعل ذلك، وكما يتصرّف مصوّر سينمائي محترف، تحوّل بعدسته إلى الطرف الآخر، مشيرا إلى البيداء القاسية في خلفية المشهد:
    سَمَا لِي وبِي من شدّةِ الجوعِ ما بِهِ      بِبَيْداءَ لمْ تُحْسَسْ بها عِيشةٌ رَغْدُ
    كِلانا بهـــا ذئبٌ يُحَدِّثُ نفسَــهُ     بِصاحِبِه، والجَدُّ يُتْعِسُـــهُ الجَدُّ
لقد التقى ذئبان جائعان؛ الذئب الإنسان، والذئب الحيوان في صحراء لا أثر للعيشة الهنيئة الرغدة فيها، كلّ ما يمكن أن يمرّ بقاطنيها هو الألم والجوع، والصراع الذي يستمرّ على إثره طرف عبر التغذّي من لحم غريمه، فقتل الآخر هو الوسيلة الوحيدة للنجاة. وحسن حظ أحدهما لا يعني إلا سوء حظ الثاني في هذه المعركة التي لا تنتهي إلا بموت هذا ونجاة ذاك.    
وسرعان ما تصاعدت درامية المشهد، فمضى شاعرنا يصوّر أدق تفاصيل المعركة:
    عَوَى ثُمَّ أَقْعَى، وارْتَجَزْتُ فَهِجْتُــهُ،     فأقبلَ مثلَ البرقِ يتبَعُــهُ الرَّعْدُ
    فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقـــاءَ تَحْسِبُ ريشَها     علـى كوكبٍ يَنْقَضُّ والليلُ مُسْوَدًُّ
    فما ازداد إلا جُرْأةً وصــــرامةً،     وأَيْقَنْتُ أنَّ الأمر منهُ هو الجــدُّ
    فأتْبَعْتُهـا أخرى فأَضْلَلْتُ نَصْلَهــا      بِحيثُ يكون اللُّبُّ والرُّعْبُ والحِقْدُ
    فَخَرَّ وقد أورَدْتُـــهُ مَنْهَلَ الرَّدَى      علـــى ظَمَأٍ لو أَنَّهُ عَذُبَ الوِرْدُ
بدأ الذئب بإصدار صوته المرعب معلنا عن وجوده وإصراره على البقاء، ثم قعد على مؤخّره مستعدّا للوثوب، أما الرجل فبدأ ينشد الرجز محمّسا نفسه، أو أنّه بدأ إصدار أصوات متتابعة مرتفعة ليخيف غريمه، ما أهاج الذئب الذي هجم بسرعة خاطفة، ناشرا من حوله أصواتا مرعبة عبر عوائه المختلط بتحرّكه القويّ السريع، فما كان من الرجل إلا أن أطلق سهما قويا انغرز في جلد الذئب القاتم، لكن إصابته بهذه الطعنة السريعة لم تثنه عن عزمه، بل زادته جرأة وصرامة وانقضاضا في تقدّمه، ما جعل الرجل يغرز نصل سيفه أو رمحه في قلب الذئب الذي خرّ قتيلا بعد أن صمّم على أن يرد مورد الموت.   
لكنّ الرجل لم يكتف بقتل غريمه، كان لا بدّ له من تأكيد ذئبيته بتناول شيء من لحمه، وربما كان أكل لحم الذئب سببه شدة الجوع حسب:
    وقُمْتُ فجَمَّعْتُ الحَصى واشْتَوَيْتُهُ     عليه وللرَّمْضـاء مِنْ تَحْتِهِ وَقْدُ
    وَنِلْتُ خَسيــسا منهُ، ثمَّ تركتُهُ      وأقْلَعْتُ عنـهُ وهو مُنْعَفِرٌ فَرْدُ
    لقد حَكَمَت فينا الليالي بِجَوْرِهـا      وحُكمُ بنات الدهر ليس له قَصْدُ
لقد انتهى هذا المشهد الدراميّ الصاخب إلى أن قام الرجل بإشعال النار، ليشوي شيئا قليلا من لحم الذئب القاسي، لكن رمل الصحراء كان يتّقد من تحته أصلا. وبعد أن تذوّقه تركه متعفّرا بالتراب ومضى. وكان تعليقه على ما حدث أنّ حكم الدهر جائر، وألا عدل على هذه البسيطة.
ربما قاد هذا التعليق إلى الاعتقاد أنّ الشاعر ليس معنيا بالصحراء وحيواناتها، إنّه يتّخذها قناعا للحديث عن العلاقات الذئبية التي تسم مجتمع المدينة، بغداد وسامراء خاصة، على المستوى الثقافي والسياسي، حيث التنافس للحصول على المكانة الأدبية من جهة، وتنافس الأمراء العباسيين في العصر العباسي الثاني للوصول إلى كرسي الحكم. فالشاعر الذي غادر مجتمعا بسيطا في بيئة أقرب إلى البداوة، تسمه العلاقات البريئة المجرّدة من الأغراض والنفعية يصدمه ما يرى في مجتمع العراق من تحارب وتنافس على السلطة، يصل حدّ تخلّص الأخ من أخيه، والابن من أبيه، فلا يجد إلا فنّه الشعري وسيلة للتعبير عن مشاعره المتضاربة، متكئا على معارفه الصحراوية التي اكتسبها في صباه وشبابه، ليبني هذا النصّ المدهش والمتقدم فنيا، خاصة في نزعته الدرامية التي صوّر عبرها مشهد الذئب خاصة بأدقّ تفاصيله ومفرداته.
من جهة أخرى ليس هذا التعليق الذي يؤكّد أنّ سمة هذه الحياة هي الجور والظلم بعيدا عن موقف الحبيبة التي اختارت فراق الشاعر، وهو مَن هو في فروسيته ونجدته وكرمه ومقارعته الأعداء ووحوش الصحراء، وربما كان ذلك لصالح وغد لئيم لا يستحقها، ما دفعه إلى أن يتساءل عبر الجزء الأخير من قصيدته، الجزء الذي يخصّصه ليبّث عبره خلاصة تجربته: هل من العدل أن يشقى الكريم في هذه الحياة، ويأخذ اللئيم من الأيام الصفو والسعادة:
    أفي العدلِ أنْ يشقى الكريـم بِجَوْرِها؛     ويأخُذَ منهـا صَفْوَها القُعْدُدُ الوَغْدُ؟
    ذرينـي من ضَرْبِ القِداح على السُّرى     فَعَزْميَ لا يَثْنيــهِ نَحْسٌ ولا سَعْدُ!
    سأحملُ نفســـــي عند كلّ مُلمّة     على مِثلِ حدّ السّـيف أخلَصَهُ الهِندُ
    لِيَعْلَمَ مَنْ هــابَ السُّرى خشية الرَّدى     بأنَّ قَضـــــاءَ اللهِ ليس له ردُّ
    فإن عشتُ مَحمـودا فمِثلي بَغَى الغِنَى     لِيَكسِبَ مـــالا أو يُنثَّ لـه حمدُ
    وإن متُّ لـم أظفَر فليس علـى امرئٍ     غدا طالبا إلا تَقَصِّيــــهِ والجَهْد
لا عدل إذن في هذه الحياة القاسية الجائرة التي يشقى فيها الكريم، ويكسب منها اللئيم النذل. ورغم ذلك فإنه مصمّم على خوض مقارعة الخطوب مهما كانت النتيجة، فعزمه لن يلين أبدا، وهو مقدم إقدام حدّ السيف الحسن الصنع إذا ما أشهر، فهو يعرف أنّ قضاء الله لا يردّ، ولن يسلم منه الجبان الذي أقعدته عن محاولة الحصول على المجد خشية الموت. وإذا لم يتمكن من الحصول على ما ينشد في هذه الحياة من مال أو ثناء فيكفيه شرف المحاولة.